محمد جمال الدين القاسمي

14

تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )

قال الرازي : بيان الملازمة أن قوله تعالى للملائكة اسْجُدُوا لِآدَمَ خطاب عامّ يتناول جميع الملائكة ، ثم إن إبليس أخرج نفسه من هذا العموم بالقياس ، وهو أنه مخلوق من النار ، والنار أشرف من الطين ، ومن كان أصله أشرف فهو أشرف ، والأشرف لا يجوز أن يؤمر بخدمة الأدنى ، والدليل عليه أن هذا الحكم ثابت في جميع النظائر ، ولا معنى للقياس إلا ذلك . وقد ثبت أن إبليس لما خصص العموم بهذا القياس استحق الذم ، وما ذاك إلا لعدم جوازه . وأيضا ففي الآية دلالة على ذلك من وجه آخر : وذلك لأن إبليس لما ذكر هذا القياس قال تعالى : فَاهْبِطْ مِنْها فَما يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيها فوصفه تعالى بكونه متكبرا ، بعد أن حكى عنه ذلك القياس الذي يوجب تخصيص النص وهذا يقتضي أن من حاول تخصيص عموم النص بالقياس تكبّر على الله . ودلت هذه الآية على أن التكبر عليه تعالى يوجب العقاب الشديد ، والإخراج من زمرة الأولياء . ثبت أن تخصيص النص بالقياس لا يجوز ، وهذا هو المراد مما نقله الواحديّ في ( البسيط ) عن ابن عباس أنه قال : كانت الطاعة أولى بإبليس من القياس ، فعصى ربه وقاس ، وأول من قاس إبليس فكفر بقياسه ، فمن قاس الدين بشيء من رأيه ، قرنه الله مع إبليس - هذا ما نقله الواحديّ في ( البسيط ) عن ابن عباس ، وأفاده الرازي . وقد روي عن السلف آثار كثيرة في ذم القياس ، منها ما تقدم عن الحسن وابن سيرين وابن عباس . وعن مسروق قال : لا أقيس شيئا بشيء ، فتزلّ قدمي بعد ثبوتها . وعن الشعبيّ : إياكم والقياس ، وإنكم إن أخذتم به أحللتم الحرام ، وحرمتم الحلال ، ولأن أتغنى غنية ، أحب إليّ من أن أقول في شيء برأيي . وقد ذكر الحافظ ابن عبد البرّ رحمه الله من هذا المعنى آثارا وافرة في ( جامع بيان العلم وفضله ) وقال : احتج من نفى القياس بهذه الآثار ومثلها . وقالوا في حديث معاذ : إن معناه أن يجتهد رأيه على الكتاب والسنة . وتكلم داود في إسناد حديث معاذ وردّه ودفعه من أجل أنه عن أصحاب معاذ ، ولم يسمّوا . قال الحافظ ابن عبد البر : وحديث معاذ صحيح مشهور ، رواه الأئمة العدول ، وهو أصل في الاجتهاد والقياس على الأصول . ثم قال : وسائر الفقهاء وقالوا في هذه الآثار وما كان مثلها في ذم القياس : إنه القياس على غير أصل ، أو القياس الذي يردّ به أصل ، والقول في دين الله بالظن . ألا ترى إلى قول من قال منهم : أول من قاس إبليس ؟ لأن إبليس ردّ أصل العلم بالرأي الفاسد ، والقياس لا يجوز عند أحد ممن قال به إلا في رد الفروع إلى أصولها ، لا في رد الأصول بالرأي والظن . وإذا صحّ النص من الكتاب والأثر ، بطل القياس وَما كانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ